السيد محمد باقر الصدر
456
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
جميع الأدلّة التي يمكن الاستناد إليها في الموضوع إيجابيّاً أو سلبيّاً ، وإنّما نريد هنا أن ندرس فقط الاستدلال على تلك الإجارة ومقتضياتها بدليل التقرير ؛ لنبرز شكلًا من تجريد السلوك عن شروطه وظروفه . فإنّ هؤلاء الذين يستدلّون بدليل التقرير على صحّة تلك الإجارة ومقتضياتها لم يعيشوا عصر التشريع ليتأكّدوا من تداول هذا النوع من الإجارة في ذلك العصر ، وإنّما شاهدوا تداولها في واقعهم المُعاش ، وأدّى رسوخها في النظام الاجتماعي السائد إلى الإيمان بأ نّها ظاهرة مطلقة ممتدّة تاريخيّاً إلى عصر التشريع . وهذا هو الذي نعنيه بتجريد السلوك من ظروفه وشروطه دون مبرّر موضوعي ، وإلّا فهل نملك دليلًا حقّاً على أنّ هذا اللون من الإجارة كان موجوداً وشائعاً في عصر التشريع الإسلامي ؟ وهل يعلم هؤلاء الذين يؤكّدون على وجوده في ذلك العصر أنّ هذه الإجارة هي المظهر القانوني للإنتاج الرأسمالي الذي لم يوجد تاريخيّاً على نطاق واسع - خصوصاً في ميادين الصناعة - إلّامتأخّراً ؟ وليس معنى هذا الكلام الجزم بنفي وجود الإنتاج الرأسمالي للموادّ المعدنيّة في عصر التشريع ، أي العمل بأجرة في استخراجها ، ولا تقديم دليل على هذا النفي ، بل مجرّد الشكّ في ذلك ، وأ نّه كيف تتأصّل ظاهرة معيّنة وتبدو طبيعيّة حتّى توحي باليقين بعمقها وقدمها لمجرّد أنّها راسخة في الواقع المعاش ، مع عدم توفّر أدلّة منطقيّة كاملة على قِدَمها تاريخيّاً ، وانفصالها عن ظروف مستجدّة ؟ هذا هو الشكل الأوّل من عمليّة التجريد ، تجريد السلوك المعاش عن ظروفه الواقعيّة وتمديده تاريخيّاً إلى عصر التشريع . [ الشكل الثاني : ] وأمّا الشكل الآخر من عمليّة التجريد في دليل التقرير فهو ما يتّفق عندما ندرس سلوكاً معاصراً لعهد التشريع حقّاً ، ونستكشف سماح الإسلام به من سكوت الشريعة عنه ، فإنّ الممارس في هذه الحالة قد يقع في خطأ